عيد الميلاد

الزيارات: 2573
عيد الميلاد milad 0258
* مقدّمة
عيد الميلاد، عيدٌ شعبيٌّ كبير، لأنّه عيد "ميلاد الشمس الّتي لا تُقْهَر"، فيه يطول النهار، وتحتفل الكنيسة بميلاد يسوع المسيح نور العالم، "النور الّذي ينير كلّ انسانٍ آتٍ إلى هذا العالم".
 
1-     تاريخه: بعضهم مَن يظنّ أنّه من أصل فكرة لاهوتيّة عميقة تمحورت حولَ ظهور الربّ يسوع بالجسد، وهي بالتالي فكرةٌ لا تمتّ إلى الأعياد الوثنيّة القديمة بأيّة صلة. وبالتالي، لا يعاكس احتفال الميلاد التقليد الوثنيّ بعيد "ميلاد الشمس"، إنّما هو نضوجٌ وتطورٌّ طبيعيّ في وعي الكنيسة لحدث التجسّد.
وبعضهم الآخر يربطونَ بينه وبين العيد الوثنيّ القديم ربطًا مُحْكَمًا. إنَّ أوّلَ مرجعٍ تاريخيّ كنسيّ حدّد تاريخ عيد الميلاد في 25 كانون الأوّل هو "الكلندار الفيلوكليانيّ" الرومانيّ، الّذي يَرقى إلى سنة 336. والكنيسةُ اختارت هذا التاريخ لأنَّ الوثنيّينَ كانوا يحتفلون فيه بعيد ميلاد الشمس، وكانت تُعتبر من آلهتهم، وخصّصوا لعبادتها أوّل يوم من الأسبوع
(
Sonntagو Sunday). وبما أنَّ المسيحَ هو النورُ الحقُّ وشمسُ العدل ونورُ العالم،(يو 8/21) راحت الكنيسة تُحِلُّ عيدَ ميلاده مكان العيد الوثنيّ، فَعَمَّدَت هذا الأخير وأصبح عيد ميلاد الربّ يسوع بالجسد.
وكما ركّزت كنيسة الغرب عيد الميلاد في 25 كانون الأوّل، ركّزت كنيسةُ الشرق العيدَ ذاته في 6 كانون الثاني، وهناك تقليدٌ شرقيّ عريق ما زال حاضرًا إلى يومنا عند الأقباط والأرمن، إذ يحتفلون بعيد الميلاد في 6 كانون الثاني. ومع الزمن، تبادلَ الغربُ والشرقُ العيدَين الَّلذين أصبحا يمثّلان مرحلتَين لحقيقة واحدة، تكمّل إحداهما الأخرى. فعيدُ "ميلاد الشمس الّتي لا تُقهر" في 25 كانون الأوّل في الغرب، هو ذاته 6 كانون الثاني في الشرق. وإذا كانت روما قد بدأت تعيّدُ هذا العيد في ليل 24-25 كانون الأوّل من سنة 330، فإنّ كنيسة بيزنطيّة ميّزت بين عيد الميلاد في 25 كانون الأوّل بالمعنى الحصريّ، وبين عيد الظهور الإلهيّ أو عماد الربّ يسوع في 6 كانون الثاني، سنة 380.
2-     مذود الميلاد: نقرأ في إنجيل لوقا أنَّ مريم ولدَت يسوعَ "وقمّطته وأضجَعَتْهُ في مِذوَد" (لوقا 2/7)، وذلك لأنَّ بيوتَ فلسطين، في تلك الأيّام، كانت تُقسم إلى قسمَين: قسمٌ تقيمُ فيه العائلة، يأكلون ويجلسونَ وينامونَ فيه، وقسمٌ ثانٍ توضَع فيه المـَؤونة، وفي ناحية منه البقرة والعنزة والحمار والطيور، لئلاّ يسرقها سارق. هكذا لمـَّا حانت أيّامُ ولادة العذراء مريم، ولمـَّا كان البيتُ ضيّقًا، ولا تستطيع مريم أن تضعَ ولدها بين الناس، دخلت الغرفة الثانية، وهناك ولدت ابنها ووضعته في مذوَدٍ لئلاّ تدوسه البهائم.
لا وجود للمغارة في نصّ لوقا الإنجيليّ، بل مذوَدٍ فقط. والّذي تحدّث عن المغارة هو القدّيس يوستينوس النابلسيّ، ظَنًّا منه بأنّ البيتَ الّذي أَوَتْ إليهِ العائلة المقدّسة، في تلك الليلة، كان جزءًا من مغارة. والمقصودُ هو أنّ يسوعَ وُلِدَ كما يُولدُ أفقرُ الفقراء في موضعٍ لم تُدفِئهُ إلاّ بعضُ الحيوانات، كالثور ِ والحمار، كما جاء في نبوءة آشعيا (1/3).
أمّا الّذي نشرَ صناعة المغارة في الكنائس والبيوت فهو القدّيس فرنسيس الأسيزيّ في القرن الثالث عشر.
3- شجرة الميلاد: ترمز شجرة الميلاد إلى" شجرة الحياة" في الجنّة، وهو رمزٌ قديمٌ في الشرق وفي الغرب، لأنَّ "الشجرة" تدلُّ على الحياة الّتي يُعطيها الربّ، لا سيّما إذا كانت تُعطي ثمرًا طوالَ السنة. أُدخِلَت الشجرةُ إلى قرب المغارة، في الغرب، في القرن الرابع العشر، وكانت حُكماً شجرة خضراء لا يباس فيها.
4-الإطار الليتورجيّ لعيد الميلاد: عيدُ الميلاد، سندًا لشهادات الآباء القديمة، وهو أحدثُ من عيد الدنح والغطاس. إلاّ أنَّ لعيد الدنح هالة أكبر تشبه إلى حدٍّ بعيد هالَة عيد القيامة، كلاهما مطبوعان برتبة في قدّاس نصف الليل، وكلاهما يفتتحان زمنًا طقسيًّا خاصًّا بهما. أمّا عيد الميلاد، فإنّه يختتم زمنًا طقسيًّا، دُعِيَ حينًا "بزمن المجيء"، وحينًا آخر "بزمن البشارة"، لأنَّنا ننتظر فيه، بفرحٍ وأمَلٍ، شروقَ الخلاص من بيتَ لحم. أمّا "تساعية الميلاد" في الطقس المارونيّ، فإنّها من تأثير المـرسَلينَ الأجانب اللاتين، وقد دَخَلَت طَقسنَا في سنة 1840، وحلَّت مكانَ الصلاة الخورسيّة لسهولتها، ولأنّها تجمعُ أكبرَ عددٍ من المؤمنين للإشتراك فيها.