مقدّمة أحد الكهنة

الزيارات: 780
قراءات أحد الكهنة
 
        يخصّص تقليدنا المارونيّ العريق، في آخر زمن الدنح، وقبل الصوم الكبير مباشرة، ثلاثة آحاد وثلاثة أسابيع لذكر الموتى من الكهنة، ثمّ من الأبرار والصدّيقين، ثمّ من المؤمنين عمومًا. فالكاهن، أو الأسقف، هو رفيقنا الأمين في سفرنا إلى الله، وله وجهان، وجه الراعي الصالح يدبّر الرعيّة بالحكمة وحسن التدبير، ووجه الوسيط الشاخص أبدًا إلى السماء، في خدمة الأسرار المقدّسة، وفي الصلاة الدائمة لأجل رعيّته.
        1- الرسالة (1 طيم 4/6-16): هي مجموعة توصيات للكاهن الخادم والرسول في كنيسة المسيح، أهمّها الاغتذاء بكلام الإيمان الثابت، والتعليم الصحيح، بعيدًا عن الخرافات والحكايات الخيالية الكاذبة؛ وترويض النفس على التقوى، مقابل الرياضة الجسدية، وهي تعني الجهد المسيحيّ للعيش في علاقة طيّبة ومستقيمة مع الله ومع الناس أجمعين، في سبيل الخلاص الأبديّ؛ وأن يكون مثالاً للمؤمنين برغم حداثة سنّه أحيانًا، وفي كلّ شيء؛ والقيام بواجب إعلان كلمة الله، وتعليم المؤمنين من الكتب المقدّسة والكتب الأخرى المفيدة للوعظ والتعليم؛ وأخيرًا الأمانة للموهبة الروحيّة السُّميا، التي قبلها وتسلّمها بوضع أيدي المسؤولين الرسميّين في الكنيسة، عليه شخصيًّا، ليكون مكرّسًا للخدمة الكهنوتيّة في الأسرار المقدّسة، مدى الحياة.
        أمّا رسائل الأسبوع فقد تمّ اختيارها، في قراءة شبه متواصلة من الرسالة الثانية إلى طيموتاوس، مع قراءة واحدة من الرسالة إلى طيطس. فيها تشديد على التربية العائليّة الصالحة التي قبلها طيموتاوس؛ وعلى تكرّسه الكهنوتيّ بوضع يدي بولس الرسول وأيدي المسؤولين عن الكنيسة؛ وعلى الشهادة لآلام الربّ يسوع وموته وقيامته، والجهاد في سبيل الإنجيل، على مثال الجنديّ الأمين، والمصارع المحترف،و الحارث المجتهد؛ وفيها تشديد على مقاومة خطر المعلّمين الكذّابين، والثبات على الأساس الذي وضعه الله لكنيسته، مهما كثرت فيها البدع وطعنتها المخالفات؛ وفيها معرفة الكتب المقدّسة الملهمة معرفة عميقة تفيد للتعليم والعمل الصالح، مع التشديد على الطابع التعليميّ والعمليّ في آنٍ معًا. أمّا القراءة من الرسالة إلى طيطس ففيها لائحة بالصفات الإنسانية المطلوبة من خدّام الكنيسة، ودحض المعلّمين الكذّابين، وحماية المؤمنين مـن شرّ تعليمهم.
        2- الإنجيل (لو 12/42-48): يشدّد على مكافأة العبد الوكيل الأمين الساهر في انتظار مجيء الرب سيّده، وقصاص الوكيل اللاهي الذي يعتقد أن مجيء سيّده يتأخّر موعده. والتطبيق على الكاهن يدلّ على أنّ السلطة الكهنوتية مرتبطة بالأمانة للربّ الذي ولاّه السلطة. والأمانة للرب تستدعي الحكمة، وهي معرفة تدبير الله الخلاصيّ، وقراءة إرادته في كلّ شيء. إنّ التشديد في المثل على الخدمة في إعطاء الطعام لأهل البيت يطبَّق مباشرة على الكاهن في توزيع جسد الرب ودمه على المؤمنين في الخدمة الإفخرستيّة. أمّا التجربة الكبرى الّـتي يتعرّض لها الكاهن فتكمُن في استغلال خدمته الكهنوتية من أجل مصالحه الخاصة، فينسى أو يتناسى أنّه إنّما اختاره الله له كاهنًا ليكون خادمًا لله وللشعب في ما هو لله. يشدّد الإنجيليّ لوقا أكثر من متَّى (24/45-51) على القصاص المريع الذي ينتظر الكاهن الذي يعرف مشيئة سيّده ولا يعمل بها!
        أمّا قراءات الأسبوع فهي نصوص متنوّعة مختارة، تشدّد على واجب الرسول والكاهن في اتّباع المسيح، متخلّيًا له عن حبّ ذاته، وحاملاً صليبه، لأنّ جميع خيرات الأرض لا توازي لحظة من حياة الملكوت معه (متى 16/24-28)؛ وعاملاً بوصيّته، صائرًا كالطفل بسيطًا خاليًا من الادّعاء والكبرياء والعناد، ليكون الأعظم في ملكوت الله (متَّى 18/1-5)؛ وغير مطالب بـالمكافأة والجلوس عن يمينه أو يساره، مثل ابني زبدى، بل مشاركًا في آلامه، ومتشبّهًا به هو الذي جاء ليَخدُم لا ليُخدَم، ويبذل نفسه فداء وخلاصًا لجميع الناس (متى 20/20-28؛ لو 22/24-30؛ يو 13/13-17)؛ وقائمًا بخدمته بتواضع وتجرّد ومجّانيّة، معتبرًا سيّده في غنى عن خدمته (لو 17/7-10).
        إنّ جميع تلك المواصفات للكاهن الخادم تُوليه أيضًا الشرف الوسيم المحفوظ للتلميذ الأمين على تعاليم سيّده: "من يخدمني فليتبعني، وحيث أكون أنا، فهناك يكون أيضًا خادمي. من يخدمني يكرّمه الآب" (يو 12/26).