المطران بطرس الجميّل بقلم المطران يوسف سويف

الزيارات: 1750
المطران بطرس الجميّل والليتورجيا المارونية
 
أولاً: دراسات وأبحاث ليتورجية أكاديمية
                               
من هنا نبدأ، من هذا الخَيار الذي اتّخذه الخوري بطرس الجميّل، وهو الإلتحاق بالمعهد البابوي الشرقي في روما للتخصّص في العلوم الكنسيّة المَشرِقيّة- قسم اللّيتورجيا. ففي حقبة الستينات شهِد هذا المعهد وهو الأول عالميّاً في قطاع اللّيتورجيات الشرقية، شخصيات بارزة ساهمت في إرساء قواعد البحث اللّيتورجي في أطُرِه العلميّة والنقديّة، بعيداً عن ارتباط اللّيتورجيا عُضويًا كما كان سائداً، في الدراسات القانونية.
ونذكر من هؤلاء الأشخاص الآباء الأفاضل : أورتيس دي أوربينا- ألفونس راس- خوان ماتيوس، وهو من معاصري إدمون (بطرس) الجميّل في الدراسة.
والموضوع الذي اختاره آنذاك الجميّل لإعداد أطروحة الدكتورا، وهو تحت عنوان
 
Avant - Messe Maronite   شكّل تحدّيًا كبيرًا في خَوض غِمار القدّاس الماروني حيث كانت الإشكاليّة الكبرى فيه هو هذا القسم الذي يسبق إعلان الكلمة ويسمّى اليوم في كتاب القدّاس، "قسم الخدمات".
فمصادِر القداس المخطوطة والمطبوعة منذ القرن الثالث عشر ولِغاية القرن العشرين, قَدّمت في هذا الموضع من القدّاس خِدمتان، مما أوصل الباحث الى حسم الموضوع وإظهار خدمة واحدة في الأصل، وما الخدمتان إلاّ نتيجة تكرار لِعناصر ليتورجيّة متشابهة ولّدت مع مرور الزمن وتفاعلاته هاتان الخدمتان؛ فكان من الضرورويّ العودة بهما الى خدمة واحدة تتماشى مع المنطق الليتورجي عامّة والماروني بنوع خاصّ.
الى جانب هذه الدراسة العلمية، أصدر المطران الجميّل كتابا حول القدّاس الماروني باللغة العربية سنة 1970 وهو يجدّد اليوم طباعته. تكمن أهمية هذه الدراسة في ناحيتين: الأولى هي معالجة موضوع القدّاس الماروني بكلّ أقسامه ووفق المنهجية العلمية وبالتحديد تاريخ طباعة الكتاب مضموناً وشكلاً، وذلك بأسلوب شعبي يسهّل لكل فئات الناس قراءته وفهمه. الثانية هي الشرح اللاهوتي والروحي والرعوي لأقسام القدّاس بطريقة مشوّقة تساعد المؤمن على فهم المعاني وتقوده بالنتيجة الى المشاركة الواعية في أهم حدث كنسي أي ذبيحة الأفخارستيا. وتأتي الطبعة الجديدة لترافق صدور كتاب القدّاس  سنة 2005، وتشكّل بالرغم من بعض الفروقات من حيث الهيكلية، مرجعاً لكل سائل ومؤمن يرغب بالمعرفة المعمّقة في القدّاس.
طال البحث الليتورجي في برنامج المطران بطرس الجميّل أبعاداً متعدّدة ومنها البعد المريمي. فظهور كتاب "مريم في الكنيسة المارونية" الذي يتجدّد طبعه الآن، وهو دراسة كلاسيكية في اللاهوت المريمي، لا يخلو من وقفات حول الحضور المريمي في الإختبار الليتورجي الماروني. فالبعد المريمي لا يرتبط فقط بالليتورجيا الشعبية على أهميّتها وخصوصيتها وعمقها، بل ينخرط في صلب الإختبار اللاهوتي الذي يتجلّى في صلوات الكنيسة. ظهّرت هذه الدراسة اللاهوت المريمي في في المجامع المقدّسة وفي الصيغ اللاهوتية وفي الصلوات والرتب التي تندرج كلّها في سياق تاريخ التدبير الخلاصي الذي تحتفل فيه الليتورجيا لا سيّما في الإحتفال الإفخارستي.
        الى جانب هذه المواضيع، عالج المطران الجميّل في دراساته التي نُشِرَت بِمُعظمها في مجلاّت أكاديميّة عالميّة، والبعض منها في منشورات رعويّة، مسائل ترتبط في الليتورجيات الشرقية وتلك المارونيّة، كصلوات الساعات ورتب المناولة والليتورجيا الشعبية والمخطوطات الليتورجية في العالم وغيرها.
(ملاحظة: نرفق طيّه قائمة بالإصدارات الليتورجية التي عالجها المؤلف).
 
تؤكّد هذه الدراسات على تميّز سيادته بالصفات الأكاديمية التي نوجزها بما يلي:
أ‌.       المعرفة اللّيتورجيّة واللاّهوتيّة الصلبة ذات البُعد الأكاديمي العالمي.
 
ب‌.دراسة المصادر اللّيتورجيّة المارونيّة ومنها المخطوطات والمطبوعات لا سيّما في موضوع القدّاس والفرض الإلهي، الى جانب أبحاث في المخطوطات المارونيّة المتعدّدة المواضيع، والمنتشرة في المكتبات العالميّة.
 
ج. الخلفيّة اللاّهوتيّة واللّيتورجيّة المشرقيّة لا سيّما تلك المرتبطة بالتراث السرياني، في إطار نهج الدراسات المقارنة بين الطقوس وهي من أجْدى الوسائل التي توضّح الطروحات الليتورجية الخاصّة، في أشارة الى وُجود أصول مُشتركة بين بعض اللّيتورجيات الشرقية، ما لبست أن تطوّرت بعد القرن الرابع بطريقة خاصّة في كلّ كنيسة وثقافة وجغرافيا.
إتّبع المطران الجميّل في معالجاته لِسائر المواضيع هذه المنهجيّة التي توصِل الى استنتاجات أكثر مَوضوعيّة وثابتة.
 
د. التوفيق بين الأسلوب الواضح والسهل في معالجة المواضيع من جهة والتطلّب العلمي وتحقيق النصوص في مصادرها ومراجعها كافة من جهة ثانية.
 
ه. المساهمة في تطوير البحث اللّيتورجي في قسمه السرياني ولا سيّما الماروني، وهنا نشير الى أن اللّيتورجيا الأقلّ دراسةً حتى اليوم، مقارنة مع اللّيتورجيات الشرقية الأخرى، هي تلك المارونية. فالجميّل هو مِن رُوّاد البحث اللّيتورجي الماروني الحديث، وبهذا يكون قد مهّد السبيل الى توسيع وتطوير هذا العلم حيث "الحصاد كثير والفَعَلة قليلون". وهنا لا بدّ من الإشارة الى ضرورة التوجيه الأكاديمي للطلاّب لا سيّما الموارنة منهم في هذا المِضْمار؛ "فإن لمْ يبْنِ الربّ البيت فباطلٌ يتعب البنّاؤون". وهنا نلفِت الإنتباه على سبيل المثال لا الحصر، الى الحركة العلميّة الناشِطة في كنيستي المَلابار والملنكار في الهند، حيث التراث اللّيتورجي هو ذلك السرياني الشرقي لدى الملابار والسرياني الغربي لدى الملنكار، وحيث ينكبّ أبناء هذه الكنائس على دراسة تراثهم؛ وتخلق لهذه الغاية المراكز العلميّة للبحث والطبع والنشر، ممّا يُساعد في حفظ هذا التراث ومعرفته وتطويره.
تماشياً مع هذه الحركة الثقافيّة اللّيتورجيّة، يساهم المطران الجميّل في نشر الأدب الليتورجي، الى جانب بعض الأفراد المتخصّصين في هذا المضمار والمؤمنين بأهمية هذا العلم، وبطريقة خاصّة الى جانب معهد اللّيتورجيا التابع لجامعة الروح القدس في الكسليك، الذي واكبه سيادته منذ التأسيس مع قدس الأباتي يوحنا تابت والمغفور له الأباتي عمانؤيل خوري.
 
و. التدريس اللّيتورجي الجامعي في كليّة اللاّهوت التابعة لِجامعة القدّيس يوسف للآباء اليسوعيّين وفي معهد اللّيتورجيا في الكسليك، وهو المؤسّسة الوحيدة في الشرق الأوسط، المتخصّصة في الليتورجيات الشرقية.
نذكر الى جانب هذا الأمر، العديد من المحاضرات اللّيتورجيّة والكنسية والرعوية التي أُلقيَت في عدد من جامعات الولايات المتحدة الأميركيّة وأوروبا، إضافة الى ِمشاركة واسعة في مؤتمرات ليتورجية عالمية ومحلية.
 
ز. على مستوى الكنيسة الجامعة، عيّن المطران الجميّل مستشاراً ليتورجياً لدى مجمع الكنائس الشرقية في روما؛ من هذا القبيل يبدي سيادته الآراء والمداخلات حول المواضيع الليتورجية التي ترفع الى هذه الدائرة الكنسية والتي تعني الليتورجيات الشرقية بوجه عام.
 
ح. عندما تقول المطران الجميّل يذهب بك الفكر الى الليتورجيا المارونية والى اللجنة البطريركية للشؤون الطقسية التي مرّ هذا الرجل في كلّ مراحلها؛ وفي تاريخها الحديث أي في حقبة رئاسته أخذت هذه اللجنة بعداً مؤسساتياً تؤدي من خلاله الخدمة الجليلة للكنيسة في رسالتها الروحية والرعوية.
 
 
 
ثانياً: اللّجنة البطريركيّة للشؤون الطقسيّة
 
     نقسّم أعمال سيادة المطران بطرس الجميّل في اللّجنة البطريركيّة للشؤون الطقسيّة الى حقبتين، الأولى هي قبل رئاسته لها في سنة 1988 والثانية بعدها.
ففي (راجع التواريخ الرسمية) عيّن صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير المطران بطرس الجميّل، رئيس أساقفة أبرشية قبرس، رئيساً للّجنة الطقسية حيث تحوّلت بشكل ندريجي وتصاعدي الى مؤسّسة فأنتجت ما أنتجت وشكّلت حقبة مفصلية في تاريخ اللّيتورجيا المارونيّة.
 
 
1.   ألحقبة الأولى منذ الستينات ولغاية الثمانينات
 
     يُطلعنا تاريخ اللّيتورجيا المارونيّة على ميزة خاصّة وهي الحالة الإصلاحيّة الدائمة التي عاشتها الكنيسة المارونية عبر العصور، وفي المدى المنظور منذ حقبة المخطوطات الليتورجية أي منذ القرن الثاني عشر – الثالث عشر حتى أيامنا الحاضرة. يؤكّد هذا الأمر همّ الموارنة المتواصل في تجديد طقوسهم وفي جعلها آنيّة معاصرة، تحاكي الناس وتحمل اليهم الإيمان وتعكس إختباراتهم الروحية.
ومع المجمع الفاتيكاني الثاني، شهدت الليتورجيا جذرية الإصلاح على أسس لاهوتية وتاريخية ورعوية رسمها الدستور في اللّيتورجيا المقدّسة. وقبَيل الفاتيكاني الثاني، بدأ الجميّل ِدراساته اللّيتورجيّة في روما وعُيِّن بعد عودته الى لبنان أميناً للسرّ في اللّجنة الطقسية ثمّ مقرّراً.
عمل الخوري الجميّل آنذاك مع أساقفة وكهنة تميّز البعض منهم بعمق الإطّلاع وبالروح الأكاديمية والكنسية ذات المنحى العالمي في نواحي لاهوتيّة وقانونيّة وليتورجيّة, ومنهم المثلثي الرحمة المطرانين ميخايل ضوميط واغناطيوس زياده؛ كما عرفت اللجنة ايضاً أعضاء ممّزين من أساقفة وكهنة، ترك البعض منهم في مسيرتها بصمات من العلم والروحانية ومنهم الأباتي يوحنا تابت والمغفور له المونسنيور ميشال حايك.
   في تلك الحقبة نسقت أمانة سرّ اللّجنة وأعدّت دراسات إصلاحية في مواصيع ليتورجية متنوّعة في مجالات القداس والرتب؛ وكانت  تقدّم المشاريع تباعاً الى المَرجَعيات الكنسية المُختصّة، ولكن لم تكن تصل بمعظمها الى خواتيمها، سوى القليل منها ولفترات إختبارية محدّدة، ونذكر على سبيل المثال كتيّب القدّاس الذي طبع سنة 1973، وظلّ يستخدم لأكثر من عشرين سنة؛ وهنا لا يمكننا أن ننسى ظروف الحرب اللبنانية التي شلّت العديد من المشاريع الكنسية وغيرها، وايضاً عدم الإهتمام الوافي بالناحية الطقسية من قبل بعض المختصّين، رغم ظهور الفاتيكاني الثاني والروح الإصلاحية التي نشرها والمناخ التجدّدي الذي ظلّل الكنيسة الجامعة، ليس فقط في المجال الليتورجي بل في مجالات أخرى غيرها.
وفي هذا الإطار وضمن القراءة العلمية والموضوعية للواقع آنذاك، يمكننا القول أنّ المشاريع الإصلاحية كانت في طور التحضير والتنضيج إن على مستوى النصوص او الأشخاص، حتى وصلت الى ما وصلت اليه مع اللجنة الطقسية بإدارة المطران الجميّل الذي خلق مناخات إيجابية في التعاون الكنسي، وقاد الحركة الطقسية في أطرها الرسمية ممّا جعل الكلّ يتعاون ويسّخر كلّ المعطيات لتوحيد الجهود، بجهوزية التخلّي عن المشاريع الخاصّة في سبيل العمل الطقسي المنسّق في مركزية إدارية ووفق الأنظمة والقوانين الكنسية.
في هذه الحقبة حدّ ما سمّي "بالفوضى الطقسية" وصبّت الجهود من أجل طباعات كتب ليتورجية تصدر عن المرجعيات الكنسية، فشكّلت بذلك تحوّلاً تاريخياً بهذا الشأن حيث الإصدارات الليتورجية كانت شبه ضائعة في هويتها الكنسية وكانت غالباً بعيدة، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن الكرسي البطريركي.
ممّا لا شكّ فيه أيضاً هو أن الحقبة السابقة مباشرة لتلك الحاليّة والتي تميّزت بالدراسات المعمّقة وبالنظرة النقديّة والموضوعيّة وبالتطلّع الروحي والرعوي، كانت بمثابة الخمير الذي سيخمّر العجين ويأتي "بالخبز النقي"؛ وكان هذا الوقت الصامت وقتاً مقدّساً استُخدِم من أجل تنضيج الأفكار والثوابت وخلق مناخات كنسية وإنسانية وعلمية وروحية تعاطي إيجابية قادت الى ما هي عليه اللجنة اليوم حيث نشهد قرارات ليتورجية تاريخية؛ تأتي كلّ هذه الثمار من قناعات رئيس اللجنة الطقسية وسائر أعضائها بمحورية العمل الطقسي في الكنيسة الذي يقود الى إصلاح ليتورجي يباركه ويسهر على تحقيقه غبطة السيّد البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس صفير الذي يضع ثقة كبرى في عمل اللّجنة مع أصحاب السادة المطارنة أعضاء المجمع المقدّس.
 
2. ألحقبة الثانية وهي رئاسة المطران الجميّل للّجنة الطقسية
 
       أ. خبرة شخصية تشهد
قبل البدء في رسم قواعد الإختبار الذي تبني عليه اللّجنة الطقسية عملها، لا بدّ لي من أن أقدّم هنا شهادة شخصيّة حول العمل مع المطران بطرس الجميّل. تشرّفت عندما عيّنني غبطة السيد البطريرك أميناً لِسرّ اللّجنة برئاسته 1993 ونائباً للرئيس سنة 2003 وما زلت أتابع هذه الخدمة. فالعمل مع رجل الكنيسة هذا هو عمل مع: كاهن أب وأسقف وراعٍ؛ مع مُثقّف ومفكّر وباحث وعالم؛ مع صاحب رؤية للواقع وللمستقبل تؤكّد معرفته الثابتة بالماضي؛ مع منظّم جلود وصبور ومثابر، لا يكلّ ولا يمَلّ؛ يضع البرنامج ويطبّقه بواقعيّة وعقلانيّة؛ مع محبّ لكنيسة المسيح وغيور عليها، ينظر نحوها بالشمولية والجامعية بعيداً عن النطاق الضيّق؛ مع رجل رحب في المحبّة، نقي القلب كأطفال يسوع، بطرس أمام الحقيقة.
 
ب. العمل اللّيتورجي في الروح المجمعية
 
يعمل المطران بطرس الجميّل مع اللّجنة الليتورجيّة ضمن الأطُر الكنسيّة والمجمعيّة، في روحيّة من أهمّ ثوابِتُها هي "العمل الفريقي". فالكتاب اللّيتورجي المطبوع والمَمهور بختم السيد البطريرك والسلطات الكنسية المختصّة، لا يصل الى هذه الغاية إلاّ بعد مروره في الحقبات التالية: ينطلق من دراسة المشروع المدرج ضمن خطّة عمل اللّجنة البعيدة المدى والقريبة، يضعها رئيس اللّجنة مع معاونيه أي هيئة مكتب تتألّف من نائب الرئيس والمقرّر وأمين السر وبعض المُسْتَشارين وتُوافِق عليها اللّجنة المركزيّة. تكَلَّف لجنة مُختصّة بإعداد مسوّدة المشروع ومن ثمّ تعرض النصوص على كلّ من اللّجنة المركزيّة وهيئة المكتب، وترفع عندئذٍ الى غبطة السيد البطريرك وأعضاء مجلس السادة المطارنة لِدراستها وإقرارها. من مجلس المطارنة ينطلق المشروع الليتورجي الى الأبرشيات والرهبانيات، وفق ما يرى كلّ مسؤول مُناسباً. من المفترض أن تُعطى النصوص الى كهنة وعلمانيّين ولجان ليتورجيّة محلّية يُبْدون آراءَهم حولها ومن ثم تعود الى أمانة سرّ اللّجنة حيث تُقرأ الملاحظات ويؤخذ منها ما يناسب المعايير الطقسيّة واللاهوتيّة والرعويّة التي تُرسم أمام كلّ مشروع طقسي. بعدها يرفع المشروع من جديد الى مجلس المطارنة لإقرارها لِفترة إختبارية محدّدة فتمهر بخاتم السيّد البطريرك وبعد تلك الفترة الإختبارية يوافق على المشروع بشكله النهائي كلّ من السيّد البطريرك والكرسي الرسولي.
يتّبع المطران الجميّل هذه المنهجيّة بحسب ما ترسم القوانين الكنسيّة والنظام الداخلي وبالروحيّة الكنسية التي تعطي روحاً للأطُر القانونيّة، مع إعارة أهميّة قُصوى للوقت الذي يساهم في تنضيج المشاريع من حيث الهيكليّات والنصوص وروحيّة الإحتفال اللّيتورجية والرعوية.
ومن موقع المراقب والعامل في الداخل، أرى ضرورة قصوى لتفعيل المشروع الطقسي في المراحل التي تسبق إقراره؛ ممّا يعني ويحثّ على التعاطي مع المشاريع التي ترفع الى الكوادر الكنسية، بشكل أكثر إنتباهاً وعمقاً، ما نجده وهي كلمة حقّ تقال، في أبرشيتي الولايات المتّحدة الأميريكية حيث تأخذ المادّة الليتورجية حيّزاً جوهرياً من النشاط الكنسي في الدائرتين الإدارية والرعوية. فالليتورجيا هي ينبوع الحياة الكنسية وغايتها، وإذا لم تكن هي الأساس في نشاط الكنيسة بكلّ تشعّباته، فعبثاً كل النشاطات الأخرى على أهميّتها.
 
ج. العمق الإنطاكي والسرياني والماروني
 
يتحرّك المطران بطرس الجميّل في العمل اللّيتورجي وفق منهجيّة فكريّة واضحة المعالِم، بعيدة عن كلّ مِزاجيّة في التحليل والإستنتاج، ومن ثوابتها هي العمق الإنطاكي والسرياني والماروني. فلاهوته الإنطاكي واضح وثابت بالصِّيَغ المجمعية التي حدّدت في المجامع الأولى والتي فسّرها الآباء، وشرحت لاهوتها دراسات سابقة ومعاصرة. فمن واقعية التجسّد الإنطاكي في إطار التدبير الخلاصيّ الى الرمزية والروحانية في المناخ الإسكندري، تتجلّى في فكر هذا الأسقف الأبعاد السريانية بكلّ تشعّباتها، من خلال تعاطي نقديّ وموضوعيّ مع النصوص المخطوطة والمطبوعة في القطاعات الليتورجية وغيرها. على هذه القواعد يؤسّس المطران الجميّل لإستنتاجات مارونيّة يقسّمها الى حقبتين تاريخيّتين وهما الألفية الأولى والألفية الثانية. تظهر في الأولى فجوة تاريخية كبيرة في النطاق الماروني المباشر، وما يمكن بناؤه يأتي من المشترك الإنطاكي والسرياني حتى القرن السابع- الثامن. والنقص عند الموارنة في النصوص التي توضّح هذه الحقبة يمكن أن يملأ من المنابع الليتورجيّة المارونيّة التي تشكّل بدورها مرجعاً ثابتاً لهذه المرحلة فتظهر في الوقت عينه المشترك كما الفرادة. تحمل هذه النصوص في جزء كبير منها الغنى اللآهوتي والروحي والأنتروبولوجي للكنيسة المارونية في الألفية الأولى.
أما الألف الثاني فيشهد لِمصادر قانونية ولاهوتيّة وليتورجيّة هامّة ومميّزة إنطلاقاً من كتاب الهدى في القرن الثاني عشر وصولا الى  البطريرك إسطفانوس الدويهي في الثامن عشر وهو المرجعية المارونية المحور في تاريخ الكنيسة المارونيّة وفي إتّجاهات متنوّعة. من خلال الليتورجيا شرح الدويهي اللاهوت والروحانيّة والفكر الماروني في منهجية شبيهة بتلك الآبائية مع كلّ الغنى الأكاديمي الذي نشأ عليه إبّان لنهضة العلمية في الغرب بكونه من ممّيزي المدرسة المارونية في روما.
يشكّل الدويهي بالنسبة الى عمل المطران الجميّل الليتورجي مع اللجنة الطقسية، مرجعيّة تاريخيّة وسطيّة بين الوثائق المخطوطة والمطبوعة، الى جانب الروح الإصلاحية التي طبعت أعماله؛ فهو بذلك ضمانة في الأبحاث المارونية عموماً والليتورجية بنوع خاصّ.
 
 
د. منهجيّة المقارنة
 
إتّبع الباحث الليتورجي بطرس الجميّل في دراساته العلميّة وفي العمل الإصلاحي الطقسي، "منهجيّة المقارنة" وهي القاعدة الذهبية الحديثة التي لا يمكن لِعمل ليتورجي أن يصل الى نتائج موضوعيّة من دون نَهْجِها. أطلق العالم الألماني أنطون باومشتارك هذا المنهج كأسلوب بحث علميّ مع العالِم أنطون يَوْمشتارك في مطلع القرن العشرين؛ ونودّ أن نلفت الإنتباه هنا الى انّ العلاّمة البطريرك إسطفان الدويهي سبق له واتّبع هذه المنهجية في الثامن عشر وهذه حتمية علمية نجدها خاصّة في "منارة الأقداس".
تتمّ المقارنة بشكل عام مع الليتورجيات ذات القُربى الثقافية والكنسية؛ فالمارونية تتواصل مع السريانيّة الغربية والسريانيّة الشرقية، وتوسّع المقارنة إذا إقتضت الحاجة مع الليتورجيات ذات القواسم الإنطاكية المُشتركة. هذه القاعدة الركن في العمل الطقسي، في مجالَيه العلمي والرعوي، قادت الجميّل مع فريق عمله الى استنتاجات وخُلاصات علمية وقرارات إصلاحيّة ثابتة، تختبرها الكنيسة المارونية اليوم في ليتورجيتها الرعوية المعاصرة. فلا يمكن ولا يجوز التوصّل الى خلاصات خارجاً عن ثوابِت تاريخ الرتب الذي توضّحه منهجيّة المقارنة.
 
ه. المجمع الفاتيكاني الثاني
 
شكّل المجمع الفاتيكاني الثاني الحدث اللاهوتي والكنسي المِفْصَل في تاريخ الكنيسة الحديث؛ واللافِت في أعماله هو أنه استهل مواضيعه في "الدستور في الليتورجيا المقدّسة". رسم المجمع مبادئ التجديد والإصلاح الطقسية، ودخل الى تفاصيل الرتب ليصلحها ويقدّمها للكنيسة رتباً حيّة، مغذّية، جميلة تشترك فيها الجماعة المؤمنة اشتراكاً واعياً وفعّالاً ومُثمراً. لقد خرجت الليتورجيا من عُزلتها وحَصْريّتها وأطلّت على الناس في حُلى الإحتفالات التي تُجَسِّد حقائق اللاهوت المسيحي؛ أصبحت تُحاكي الناس وتعبّر عن إيمانهم وتخاطب نفوسهم وترفعها الى العلى وتدعوهم الى الإشتراك في الوليمة الفصحية المُفرحة.
وقبيل المجمع بدأ الخوري بطرس الجميّل دراساته الليتورجيّة وأُعطي فرصة المشاركة في أعماله لا سيّما في الجلسات الليتورجية، وفي هذا هذا المناخ وبدافع الهمّ الإصلاحيّ، بدأ يعدّ المشاريع الليتورجية ويأخذ مبادرات سبقت وواكبت المجمع ومنها كتاب "صلاة المؤمن" أي صلوات الساعات المارونية التي نسّقها ورّتبها ووضعها في العربية من مصادرها السريانية؛ فهذه الكنوز الروحية التي بدأت تدفن في الكتب وفي الذاكرة وفي الممارسة الرعوية، عادت الى الحياة لتغذي العدد الكبير الكهنة والمكرّسين وأبناء الرعايا والعائلات المسيحية. شكّل "صلاة المؤمن" نهضة ليتورجيّة في مطلع خدمة رجل الكنيسة هذا الذي استخدم كلّ المواهب كي ينعم الشعب بهذه الذخائر الروحية التي قدّسته في مسيرته التاريخية.
إنطلاقاً من إختبار "صلاة المؤمن" بدأت تظهر تباعاً مبادرات مشكورة لإحياء صلوات الساعات في الليتورجيا المارونية وأهمّها تلك التي صدرت عن معهد الليتورجيا في جامعة الروح القدس في الكسليك بإدارة قدس الأباتي يوحنا تابت مع فريق عمل متكامل. لا شكّ أنّ هذه المبادرة تساهم هي بدورها في إحياء الصلاة الخورسية في الأديار والرعايا.
فأمام مبادرة الجميّل ومبادرة الكسليك، تحرّكت النصوص الليتورجيّة لِتصبح مصدر غذاء للناس؛ فمن وحي هذه الخبرة الليتورجية المعاصرة، نحن نتوّجه نحو رسم معالم كتاب صلوات الساعات المارونيّة الذي تعدّه اللجنة الطقسية بتماش مع التقاليد الكنسية التي أفرزت نوعين من الصلوات الأولى وهي في الأطر الرهبانية-الديرية والثانية في تلك الكاتدرائية-الرعائية.
 
و. البُعد الرَّعَوي والشعبي
 
شعار الجميّل الرئيسي: "الطقوس للشعب" وبهذا عرّف بالليتورجيا المارونية أصوب تعريف. فإلى جانب المَعايير اللاهوتية والتاريخيّة للإصلاح، يضع المطران بطرس المعيار الرعوي والشعبي في سلّم الأوْلَويّات، خاصّة وأن الموارنة تميّزوا بليتورجيّتهم ذات النفس الشعبي فوّفقوا بين البساطة والعمق على مستوى النص والحركة واللحن ومجمل عناصر الإحتفال. برز هذا المنحى عند الجميّل لأنه اختبر الحياة الرعويّة في كلّ مَحَطّات خدمته؛ من رعية الى رعايا فالإدارة العامّة في المطرانية فإلى رعاية أبرشية، ناهيك عن عمله في الحقول التربوية والجامعية ومع المنظمات الرعويّة والعمّالية والعائلات ومعظم فئات الكنيسة والمجتمع. ثبتّت الخبرة لدى هذا الراعي، حسّ التضامن مع الناس الذي لم يغب قط عن فكره الليتورجي.
 
ز. ثقافة إنسانيّة واسعة
 
تبرز عند المطران بطرس الجميّل الى جانب تبحّره اللآهوتي، ثقافة إنسانية واسعة وشاملة تطال الإنسان بمجمل مكوّنات شخصيّته ويتواصل من خلالها هذا الرجل مع الناس بروح الإخاء والمحبة والسلام. تتجلّى الأبعاد الإنسانية عنده عبر نظرة علميّة تَطال الإنسان، فرداً وجماعة، والمجتمع والبيئة واللغة والثقافة، والتحوّلات التي تجري هلى هذه المستويات كافة؛ وفي هذا الإطار يحدّد الجميّل الليتورجيا المارونية كَتعبير لاهوتي وإنساني، ذات أبعاد روحيّة وإسكاتولوجيّة حتما ولكن أيضاً إرسالية ومجتمعية. في إطار هذه التحوّلات تعير اللّجنة الطقسية أهميّة مركزية للإنتشار الماروني ودور الليتورجيا الفاعل في الواقع العالَمي الجديد، من الناحية الخارجية اي في إشعاع الروحانية المارونية في الكنيسة الجامعة وايضاً من الناحية الداخلية، عبر تلّمس الحاجة لعيش الوحدة المارونية في الليتورجيا مع الكرسي البطريرك، ومع شخص السيّد البطريرك، أب هذه الكنيسة وراعيها، والداعي الى وحدتها في الأطر الليتورجية والروحية والرعوية.
 
ح. أصالة مارونية
 
تجلّت في مشاريع المطران بطرس الجميّل الليتورجيّة، الأصالة المارونية التي نَبَعت من عيش ماروني ومن قناعات وثوابت على المستوى الشخصي، ميّزته بالبساطة والنزعة الى التقشّف في روحية عمق إيماني يغذّى بالصلاة وبالكلمة والتأمّل، ويتّجه نحو إفخارستيّة قربانيّة وحياتية تجعل من رجل الله هذا ليتورجيّاً ليس بالمعنى التقني فحسب بل خاصّة بالبعد الكنسي والكهنوتي والرسولي.
فارتباط الجميّل الشخصي والمؤسساتي بالكرسي البطريركي وبِشخص السيّد البطريرك والمجمع المقدّس، ساهم مساهمة فعّالة في تحقيق ما تَحقَّق على مُستوى الإنتاج الليتورجي نوعاً وكمّاً. ولا نُبالغ إذا ذكرْنا وقائع تاريخيّة ومنها أن هذه الحقبة من تاريخ الكنيسة المارونيّة، تُعَدُّ موضوعيّاً من أغزر الحَقَبات في الإنتاج الليتورجي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يَعرف كتاب القدّاس الماروني المطبوع منذ سنة 1594 ختماً واضحاً وصريحاً للسيّد البطريرك، إلاّ في طبعة 2005 الرسميّة والنهائيّة، مما يجعلنا نتوّقف على واقع التطوّر الإيجابي للمفهوم الكنسي والمجمعي الذي لا يطال فقط الحياة الليتورجيّة بل كلّ مرافق الحياة الكنسيّة. الى جانب كتاب القدّاس هناك كتب الرتب التي تصدر على مراحِل، من سنوات إختبار الى تثبيت رسميّ للنص، وفق القوانين الكنسيّة ووِفق الروحيّة المجمعيّة. وما نشير إليه هنا يشكّل نقطة تحوّل هامّة في المنطق الكنسي في إطاره الجامِع والخاص والذي ينْحى نحو المجمعيّة وما لها من نِعمٍ في الإختبار الكنسي لأنها تعكس طبيعة الكنيسة البهيّة في وحدتها وجامعيها، إطار دينامية الشراكة مع بطرس الرأس والأب والراعي للكنيسة الجامعة. وفي هذا السياق تنوّه اللجنة البطريركيّة للشؤون الطقسيّة بروحية التعاطي لبنّاء مع المجمع الماروني والمجامع الرومانيّة المختصّة.
يدير المطران الجميّل آليّة العمل بهذه الروحيّة الكنسيّة، ويُبَرهِن الإنتاج الليتورجي أن هذه الحقبة تُظهِرُ بِحقّ الأصالة المارونيّة في حفظ التُراث الليتورجي وتطويره خدمة للكنيسة المارونية وللكنيسة الجامعة.
 
 
 
ثالثاً: الإصلاح الليتورجي الماروني
 
        تشير ظاهرة الحالة الإصلاحية الليتورجية الستمرة عند الموارنة الى الديناميّة الروحيّة والإنسانية التي ميّزت هذه الكنيسة. وفي سياق الإصلاح المعاصر تأتي مساهمة المطران بطرس الجميّل لتخلُق ورشة ليتورجيّة حيّة، حدّدت هذه الحقبة بالمفصلية أمام إنجازات بعض الرتب لا سيّما القدّاس.
 
1. رتبة القدّاس المارونية
 
ينتمي القدّاس الماروني الى العائلة الإنطاكيّة والسريانيّة بشقيّها الغربي والشرقي والذي يعكس إختبارَي إنطاكيا والرَّها. يُقسَمُ القدّاس الى قِسمَيْن أساسيَّين كما في كلّ الليتورجيات المسيحيّة: خدمة الكلِمة وخدمة القُربان أو ما يُسَمّى في التعابير الآبائية المائدتين "البيما والمذبح" والتي عليهما تحتفل الكنيسة بالفصح المجيد، إذ تشترك في سرّ تجسّد الرب وحياته وآلامه وموته وقيامته وصعوده الى السماء ومجيئِه الثاني بالمجد. وفي إطار سر التدبير هذا، تقدّم الكنيسة القربان وأبناؤها يتقدّمون من المائدة المقدّسة لِتَناوُل جسد المسيح ودمه، مُعلِنين قيامته السعيدة من بين الأموات.
        على المُستوى الأكاديمي والعلمي، تَخَصَّصَ الجميّل في دراسة قسم الخدمة في القدّاس الماروني، وطرح المشكلة وهي وجود خدمتين في هذا القسم من القداس. توصَّلت الدراسة المبنية على المصادر المخطوطة وعلى قراءة تاريخية للقداس في مُختَلَف الكنائس السريانيّة الى حسم الموضوع وحلّ المعضلة وإظهار أن واقع الإزدواجية هنا هو نتيجة تكرار تراكَمَ في المخطوطات مع مرور الزمن، في حقبة زمنية تأثر فيها الموارنة بالسريان اليعاقبة فوّلدت كتب القداس عندهم خدمتان بدل الخدمة الواحدة الأصيلة. طبقّت نتائج الدراسة في القدّاس الماروني الحالي الى جانب نواحي أخرى نضجت في مسيرة القدّاس المارونية.
 
 
 
 
 
2. الغنى الليتورجي في خِدْمَتَي الكلِمة والقُربان
 
تعاوُن المطران الجميّل على مستوى اللجنة الطقسية أوصله الى جانب فريق العمل وبالأخصّ الأبائي يوحنا تابت، رفيق دربه في المشوار الليتورجي، وعدد من المفكرين الليتورجيين، الى إغناء ليتورجيا الكلمة في القداس الماروني. يضع هذا القسم اليوم أربعاً وسبعين خدمةً تدور حول أزمِنَة السنة الطقسيّة بأكملها، إضافةً الى قراءات من كتب العهد الجديد، فإلى حركة إحتفاليّة غنيّة بالرمزيّة ومن أبرز عناصرها زياح الإنجيل. وجود الخدم كما هو اليوم في القدّاس هو عنصر جديد في الليتورجيا المارونية وهو تطوّر إيجابي لهذا القسم من القدّاس إنطلاقاً من بعض العناصر التي كانت تتبدّل عبر السنة الطقسية. لا شكّ أنّ مفهوم السنة الطقسية ساعد في هذا التطوّر الذي نصفه بالعضوي ولم يكن عنصراً غريباً عن روحية الطقس. لا شكّ أنّ قراراً كهذا يعتبر تاريخياً بكونه حدثاً جديداً في تايخ القدّاس الماروني.
من جهة ثانية، أعيد إحياء رتبة نقل القرابين الى المذبح بعد دخول المُحتَفِل إليه عند انتهاء خدمة الكلمة. لِهذه الرتبة أبعاد لاهوتيّة وروحيّة ورعويّة لافتة نشترك فيها اليوم مع كلّ ليتورجيات الشرق والغرب معاً.
وضعت أيضاً في كتاب القدّاس مجموعة من النوافير شكّلت في الكتب المخطوطة والمطبوعة، الصَلَوات-النماذج، لأهمّيتها اللاهوتيّة ولانتماءاتِها الكنسيّة والرسوليّة ذات الطابع الرمزي العميق. وفي سياق الصلاة القربانية خُلِقَت فسحات رعويّة عند الطلبات وفي إختيار التراتيل التي ترافق كلّ أقسام القدّاس، وُضِعَت وِفقَ توجيه ليتورجي ورعوي يساعد في المشاركة الفعّالة.
        حمل المطران الجميّل همّ القدّاس الماروني طيلة حياته الكهنوتيّة والأكاديميّة والكنسيّة وتوصّل مع اللجنة وبِدعم السيّد البطريرك والمجمع المقدّس والسلطات الكنسيّة عامّةً، الى تحقيق هذا المشروع التاريخي في الكنيسة المارونيّة، تمجيداً لله ولخير النفوس.
 
 
 
 
 
 
3.   صلوات الساعات أو الفرض الإلهي
 
صلوات الساعات هي ركنٌ من أركان الحياة الليتورجيّة، من خلالها تدخل الكنيسة في حالة "الصلاة الدائمة"؛ ومع السيد المسيح وهو البداية والنهاية والألِف والياء، وفي ديناميّة تعاقُب اللّيل والنهار، وتوزيع الساعات الى سبع في اليوم، ترفع الجماعة المصليّة الى الآب نشيد التسبيح الذي تنشده متّحدة بعريسها وموّجهة بإلهامات الروح القدس.
        تحتوي ساعات الصلاة المُمتَدّة على مدار السنة الطقسيّة الإرث اللاهوتي والغِنى الروحي الذي يغذّي وينمّي كنيسة المسيح وهي في مسيرتها نحو ملكوت الآب. والصلوات المارونيّة تضمّنَت وضمنت هذا اللاهوت الإنطاكي السرياني الراهَوي العريق، وغَذّت أجيالاً طويلة من الروحانيّة الكتابية والآبائيّة. وأمام هذا الأوقيانوس الغِنى الذي بات لعدد كبير من أبناء الكنيسة وحُصِرَ بِبعض فئات المكرَّسين من كهنةً ورهبان يفقهون السريانيّة، بادَر بطرس الجميّل في وضع وتنسيق وترتيب هذه الصلوات المارونيّة باللّغة العربيّة وإغنائها بقراءات من الكتاب المُقدّس والآباء وسِيَر القدّيسين، وكان صدور "صلاة المؤمِن" سنة 1965 وبعد مرور أربعين أعيد طبعه احتفاء بالِذِكرى-الحدَث سنة 2007.
لا شكّ أن هذا الإختبار الذي يعود الى حقبة الستّينات والذي وضّح مَعالِم الطريق ونَضّج العناصر الليتورجيّة والرعويّة، والذي عقبه إختبار الرهبانية اللبنانية المارونية وما نراه اليوم في إطار الرهبانية الأنطونية المارونية، والى غيرها من محاولات ومبادرات، ستصُبّ كلّها في خدمة كتاب صلوات الساعات المُنتَظَرة بِشوق من كلّ فئات الكنيسة، ِحيث سيُلْحَظ لِكلّ من أبنائها خصوصيّته الكنسية في الخبرة المُصَلّية، وفقاً للِتَقاليد الليتورجيّة العريقة.
 
 
 
 
 
 
 
 
4.   الرُتَب المارونيّة
 
تظهرُ تِباعاً الى جانب كتاب القدّاس، كتُب الرُتَب المارونيّة، المُعَدّة دوماً في إطار اللجنة الليتورجيّة.
(ملاحظة: ذكر الرتب التي صدرت حتى الآن. المصدر أمانة سرّ اللّجنة).
وهناك مشاريع مستقبلية مدرجة في جدول أعمال المطران الجميّل.
        (ملاحظة: القائمة بالمشاريع المُستَقبليّة)
 
5.   الليتورجيا في عهد البطريرك مار نصر الله بطرس صفير
شهدت الليتورجيا المارونيّة في عهد البطريرك الكردينال مار نصر الله بطرس صفَير تقدُّماً وازدِهاراً لافِتَين. لقد شجّع غبطته اللجنة الطقسيّة وقدّر بالإحترام والثقة ِرئيسها الذي يُخصّص له في المجمع المُقدّس وقفات ليتورجيّة ممّيزة.
        ونلفُت الإنتباه الى أن حقبة البطريرك صفير تتميّز بغزارة في طباعة الكتب الطقسيّة المَمهورة بختمه وفق المُقتضيات القانونيّة والكنسيّة.
        تُعْتَبَر هذه الظاهرة حدثاً تاريخيّاً لافتاً مُقارنةً مع طبيعة الكتب الطقسيّة لتي كانت تطبع في الماضي، حيث أتَت أغلبيّتها في ظروف كنسيّة غير واضحة، ودخل قسم كبير منها الى المُمارسة الرعويّة أحياناً خارجاً عن رضى السيّد البطريرك. من هذا المنظار يطبّق صاحب الغبطة والنيافة ميادىء الإصلاح الواردة في المجمع الفاتيكاني الثاني وقد كان السبّاق في ترجمة "الدستور في الليتورجيا المقدّسة".
 مركز اللجنة الليتورجيّة
 
كانت تلتقي اللِّجان الليتورجيّة سابقاً في أماكن مُختلفة، بِحسب مراكز عمل أعضائها. وفي السنوات الأخيرة كان مركزها في إحدى مباني جمعيّة المُرسَلين اللبنانيّين الموارنة، في جونيه. وهناك بدأ رئيس اللجنة بخلق دائرة إدارية من مكاتب وأرشيف الى أن أُنْجِز بناء المحكمة الروحيّة والذي تحوّل اسمه الى المجَمّع البطريركي في ذوق مصبح وكان للجنة الطقسيّة جِناحها الخاصّ وهو في الطبقة الثالثة. يؤمّن في اللّجنة دوام يومي ويوجد مركز لنشر الإنتاج الليتورجي وتوزيعه؛ وفي النهاية الى هو واحة للّقاء، مفتوحة للّجنة المركزية واللّجان الفرعية التابعة لها ولكلّ سائل حول الشأن الليتورجي والرعوي.